السيد محمد باقر الصدر

121

إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )

جديدة . وكلّما تكرّرت عمليات الاستنتاج وتكامل رصيدها ازدادت خصباً وثراءً . فلم تكن قوى الطبيعة المنتجة هي التي تشقّ - بمفردها - طريق تكاملها ونموّها أو تولّد عوامل تطوّرها واغتنائها ، وإنّما تولّد الإحساسات والتصوّرات فحسب . فليس تطوّرها - إذن - ديالكتيكياً ذاتياً ، وليست القوّة الإيجابية التي تطوّرها منبثقة عنها . وهكذا تصبح قوى الإنتاج محكومة لعامل أعلى منها درجة في تسلسل التأريخ . وقد كنّا حتّى الآن نتساءل عن العوامل التي تطوّر الإنتاج وقواه على مرّ الزمن ، الأمر الذي انتهينا فيه إلى نتيجة لا تسرّ الماركسية ، غير أنّ من الممكن بل يجب أن نتخطّى هذا السؤال إلى نقطة أعمق وأكثر إحراجاً للمادية التأريخية ، فنطرح السؤال على الوجه التالي : كيف مارس الإنسان عملية الإنتاج ونشأت في حياته ولم تنشأ في حياة أيّ كائن حيّ آخر ؟ نحن نعلم من عقيدة الماركسية أنّها تؤمن بالإنتاج قاعدة رئيسية للمجتمع يقوم على أساسها الوضع الاقتصادي ، وتبتني على الوضع الاقتصادي كلّ الأوضاع الأخرى . ولكنّها لم تكلّف نفسها أن تقف قليلًا عند الإنتاج نفسه لتفسّر كيف وجد الإنتاج في حياة الإنسان ؟ فإذا كان الإنتاج يصلح لتفسير نشوء المجتمع وكلّ علاقاته وظواهره أفليس للإنتاج نفسه شروط تصلح لتفسير وجوده ونشوئه ؟ إنّ بالإمكان الجواب على ذلك إذا عرفنا ما هو الإنتاج . إنّ الإنتاج - كما تعرّفه لنا الماركسية - عملية كفاح ضدّ الطبيعة يشترك فيها مجموعة من الناس لإنتاج حاجاتهم المادية ، وتقوم على أساسها كلّ العلاقات . فهي إذن عملية يقوم بها عدد من الناس لتغيير الطبيعة وجعلها بالشكل الذي يوافق حاجاتهم ويشبع رغباتهم .